السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
68
مفاتيح الأصول
ففهم المعنى حينئذ موقوف على العلم بالوضع إذ لا سبب للفهم سوى ذلك فعلم أن فهم المعنى لا يتوقف على العلم بالوضع مطلقا بل إنّما يتوقّف عليه في صورة نادرة هي كون الوضع تعيينا والاستعمال قبل حصول الغلبة والاشتهار نعم حصول الفهم مطلقا موقوف على نفس الوضع أمّا إذا كان الفهم موقوفا على العلم بالوضع كما في هذه الصّورة فظاهر وأمّا إذا كان بالغلبة والاشتهار فلأنّ الوضع إمّا أن يحصل بهما أو بالتعيين السّابق عليهما وعلى الأوّل فسبب الفهم هو الوضع الحاصل بالاشتهار وعلى الثّاني فالسّبب القريب وإن كان هو الاشتهار لكن لما كان الاشتهار فرع التّعيين كان التّعيين سببا بعيدا في الفهم فيتوقّف عليه الفهم فالوضع في جميع الصّور من شرائط الدّلالة وبهذا الاعتبار كانت الدّلالة منسوبة إليه لا باعتبار العلم به كما ظنّ وعن الثّاني بالمنع من تبادره أمّا على قول أبي حنيفة من ترجيح الحقيقة المرجوحة فواضح وكذا على قول المعظم من التوقّف على احتمال وأمّا على قول أبي يوسف من ترجيح المجاز الرّاجح فلأن الشّهرة قرينة على ما نقل عنهم فإنّهم قالوا لا فرق بين المجاز المشهور وغيره من المجازات في الاحتياج إلى القرينة وإنّما الفرق أنّ القرينة في المجاز المشهور هي الشّهرة بخلاف غيره وقيل معنى كون الشّهرة قرينة أن فهم المعنى يتوقّف على اعتبارها والالتفات إليها وليس المعنى أن الفهم يحصل بها مطلقا إذ لو بلغ اللَّفظ في الاشتهار إلى حدّ لا يحتاج معه إلى ملاحظة الشهرة كان حقيقة قطعا ولم يكن من المجاز في شيء ثم إنّ هذه القرينة لمّا كانت لازمة للفظ غير منفكَّة عنه كان الحمل على خلاف ما يقتضيه محتاجا إلى القرينة الَّتي تزول بها حكمها لا إلى قرينة الفهم والدّلالة كما في المجاز والنافي للحقيقة هو الاحتياج إلى قرينة الفهم والدّلالة فاللَّفظ الَّذي له حقيقة مرجوعة ومجاز راجح يفتقر في حمله على كلّ من المعنيين إلى قرينة إلَّا أنّ بين القرينتين فرقا فإن قرينة المجاز ما به يتمّ الأمر المقتضي للدّلالة وقرينة الحقيقة ما به يزول به المانع عنها فإن قلت ما ذكرته إنّما يعلمه من عرف وضع اللَّفظ وشهرة مجازه وأمّا الجاهل الذي يراجع العالم بالوضع في معرفته فلا يظهر له شيء ممّا قلت فإنّه لا يرى إلَّا حمل اللَّفظ على معنى من دون قرينة ظاهرة وذلك لا يستلزم الحقيقة ولا تبادرها إذ لعل الوجه في ذلك شهرة استعماله فيه عندهم بحيث صار من المجازات الرّاجحة إذ لم يتحقّق له أنّ الحمل عليه بملاحظة نفس اللفظ لا بملاحظة الشهرة فإن قيل الأصل عدم الالتفات إلى الشّهرة فيكون باعتبار نفس اللَّفظ فيقال الأصل عدم الوضع له فيكون باعتبار الشّهرة نعم إن انحصر المستعمل فيه في المحمول عليه فيكون حقيقة لكن لا لنفس الحمل بل لما سيأتي إن شاء الله وبالجملة ثم إنّ التّبادر أمارة الحقيقة ولكن لا وجه حينئذ لمعرفته إلَّا مجرّد الحمل بدون قرينة ظاهرة وهو لا يصلح لذلك فإن قيل سئل عنهم عن وجه الحمل فيقال له السّؤال عن الوضع أولى قلنا إنا لا نسلَّم أنّ التّبادر لا يعلم إلَّا من جهة الحمل بل قد يحصل العلم به من قرائن الأحوال سلَّمنا ولكن نقول إنّ الظاهر أنّ الحمل عليه ليس إلَّا لتبادره من نفس اللَّفظ لا باعتبار ملاحظة الشّهرة وذلك لأن السّبب في الحمل عليه مجرّدا عن القرائن المنفكَّة لا يكون إلَّا الوضع أو الشّهرة ولما كان الحمل باعتبار الوضع أكثر من الحمل باعتبار الشّهرة لكثرة الحقيقة وقلَّة المجاز المشهور حصل الظنّ بأن فهم ذلك المعنى باعتبار نفس اللَّفظ وتبادره منه فإنّ الظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الأغلب فإن قلت ثبوت الحقيقة في الغالب إنما هو من جهة التّبادر فيرد الإشكال في إثبات الحقائق به في الغالب قلت نمنع الحصر المزبور بل ثبوت الحقيقة في الغالب يكون بأمارات آخر نعم التّبادر متحقّق معها فإذا يتجه ما قلناه ويعضده اتّفاق العلماء على وجوب حمل اللَّفظ على حقيقته دون مجازه إذ ليس ذلك إلَّا باعتبار وغلبة وقوع الحقيقة وغلبتها يستلزم غلبة تبادرها فيقدّم على غيره عند التّعارض وعن الثّالث بأنّ الجزء لا يمكن أن يتبادر من دون تبادر الكلّ بل دلالة اللَّفظ على الجزء هي نفس الدّلالة على الكلّ لا بمعنى أن هناك دلالة مركَّبة من دلالتين إحداهما على الجزء والأخرى على الكلّ فيكون الدّلالتان متغايرتين بل بمعنى أن هناك دلالة بسيطة متعلَّقة بأمر له جزء يفهم بعين فهم الكلّ فالدّلالة على الكلّ مغايرة للدّلالة على الجزء مغايرة لا بالذّات بل بالاعتبار لأنّها باعتبار الإضافة إلى الكلّ من حيث هو يسمّى بالمطابقة وإلى الجزء تسمّى بالتضمّن نعم على ما حكي عن القوم من تقدّم فهم الجزء على الكلّ يشكل الأمر إن فسّرنا التّبادر بمجرّد الخطور بالبال وأمّا إن فسّرناه بسبق المعنى من حيث كونه مرادا فلا إشكال وأمّا المدلول الالتزامي فالتّحقيق أنّه ليس بمتبادر إمّا لأنّه يفهم من اللَّفظ بعد فهم المعنى المطابقي فلا يتبادر أو لأنّه لا يفهم من نفس اللَّفظ بل إنّما ينتقل إليه بعد تعقل المعنى المطابقي تحقيق المطلب أنّ فهم اللَّازم ليس باعتبار اللَّفظ وإلَّا لزم فهمه منه دائما وإن وضع لمعنى آخر وإلا لزم تخلَّف اللَّازم عن الملزوم وهو باطل ففهمه باعتبار المعنى ولذا يخطر اللَّازم بالبال حيثما يخطر ذلك المعنى وهو الملزوم بالبال ولا كذلك المعنى المطابقي فإنّه يفهم من نفس اللَّفظ باعتبار كونه موضوعا له ولذا يدور مداره إلَّا إذا نقل ولذا جعل بعض دلالة الالتزام دلالة عقليّة وإنّما عدّها المشهور من دلالة اللفظ باعتبار أن اللَّفظ سبب بعيد في فهمه لأنّه سبب لفهم المعنى